
لا تحتاج بعض المحاصيل إلى مساحات شاسعة لتصنع فارقًا اقتصاديًا؛ فالنباتات الطبية والعطرية تثبت أن القيمة ليست دائمًا في الحجم، إذ تحتل مكانة متقدمة بين القطاعات الزراعية الواعدة في مصر بفضل قيمتها التصديرية المرتفعة وطلب عالمي متزايد على زيوتها الأساسية ومستخلصاتها.
وتستند مصر في هذا القطاع إلى ميزة مزدوجة: تنوع جغرافي ومناخي يسمح بزراعة أصناف متعددة، وخبرات متراكمة في إنتاج البابونج والنعناع والريحان والبردقوش والكمون والكزبرة واليانسون، إلى جانب الياسمين والجيرانيوم اللذين يشكلان ركيزة مهمة في صناعة الزيوت العطرية.
غير أن القيمة الحقيقية لا تتوقف عند الحقل؛ فمراحل ما بعد الحصاد من فرز وتجفيف وتقطير واستخلاص وتعبئة هي التي تحوّل المحصول الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، وتفتح الباب أمام صناعات كاملة مرتبطة بالقطاع، خاصة أن مكونات هذه النباتات تدخل في الأغذية والمشروبات والمستحضرات الطبيعية والعطور ومنتجات العناية الشخصية وعدد من الصناعات الدوائية، ما يمنحها أسواقًا متنوعة لا ترتهن لنشاط واحد.
وهنا تبرز معادلة العائد: تصدير المنتج في صورته الأولية لا يحقق أقصى استفادة ممكنة مقارنة بالمنتجات المصنعة والمجهزة، ما يتطلب استثمارات أكبر في وحدات التجفيف والتقطير والتصنيع وتطوير قدرات الشركات العاملة في المجال، إذا أريد تحويل النشاط من مجرد إنتاج زراعي إلى صناعة متكاملة.
ولا يغيب صغار المزارعين عن الصورة؛ إذ يوفر القطاع فرصًا مهمة لهم وللمشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر ربط الإنتاج باحتياجات المصانع والشركات المصدرة، وتطوير الزراعة التعاقدية التي تضمن سوقًا للمحصول قبل زراعته وتوفر دخلًا أكثر استقرارًا، بشرط الاهتمام بجودة التقاوي والالتزام باشتراطات الحصاد والتجفيف والتخزين ونظم التتبع ومراقبة الجودة لمطابقة مواصفات الأسواق الخارجية.